كروية الأرض بين القرآن الكريم والكتاب المقدس
بقلم: jass
إلا إنه وبالنظر إلى الديانات و الأفكار الأخرى نرى بالفعل تحقق بعض الأمور (الإعجازية إن صح التعبير) كالتنبوء أو عمل الخوارق، يستدلون بها على عقائدهم، ونحن نعلم بأن حصول مثل هذه الأمور لا تدل على شيء، و لا دليل على النبوة أو الألوهية فيها. لكنه لا يتعدى عن غير المألوف في نطاق المعرفة البشرية ، فمثلا، وبالنظر إلى كتاب المدعو بنوستراداموس ( 1503م ــ1566م ) (1) نرى بأنه كتاب غريب، يعج بالتنبؤات التاريخية الخارقة المتمثلة في رباعياته الشهيرة، والتي تحققت بعضها فعلاً، بينما لم يُعرف مصير البعض الآخر . فهذا لا يجعله نبياً أو رسولاً، بل عُرف عنه بأنه كان كاثلوكياً متعصباً أُتهم بالهرطقة من الكنيسة في فترة من الفترات.
ما أريد إيصاله هو: إثبات صحة ( كتاب إلهي )، يتطلب أكثر من مجرد تنبؤات عامة أو حتى خاصة، بل يتطلب أفعال وأقوال معجزة تُعجز الجميع من كل نواحيه، ليس لها مثيل ولا يمكن الإتيان بمثلها، و لا يمكن لأحد إبطالها … و القصد إن أي أمر غريب خارق أو خارج عن المألوف، لا يكون دليلاً على صحة ما يتمسك به الشخص في مذهبه، مهما كانت. فالأمر يتطلب اكثر من ذلك، يتطلب الإعجاز و الكمال و تخطي القدرات و العقول وكل الحدود على الرغم من بساطته، كما هو حال القرآن العظيم، فهو عبارة عن كلمات الله التامات مفهومه وبسيطة لكنها تعجز القاصي و الداني، وليس فقط فيما يتعلق بالإتيان بمثله، بل في أمور كثيرة، منه بالتأكيد الإخبار بالمجهول.
في موضوعي هذا أتطرق إلى أمر مهم وهو الإعجاز الفلكي العلمي في الكتابين ( القرآن الكريم والإنجيل المقدس ) ككتابي أعظم ديانتين في العالم ، الأسرع و الأكثر انتشاراً، في شأن كروية الأرض وحركتها فقط.
لا أقول بأن هذا الموضوع محايد، بل إنه يرجح طرف على الآخر، لكنه بالتأكيد يعبر عن رأي صاحبه لا أكثر.
وفي حقيقة الأمر إن تعرض الإنسان لكروية الأرض ليس بالشيء الجديد كما يُظن، بل يرجع أمره إلى عصورٍ قديمة.. ففي الأساطير اليونانية، ورد ذكر كروية الأرض في قصة هرقل، حيث الإله زيوس يعاقب هرقل (ابنه) بحمله الكرة الأرضية على اكتافه لبقية حياته و مثلها قصة أطلس وحمله للسماوات و الأرض!! .. وكذلك بعض الأساطير الأخرى ككون أن الكوكب محمول على قرن ثور !! وقد تطرق إليه بعض الفلاسفة كأرسطو وأفلاطون في ما وصل إلينا من كتاباتهما ..

إشعياء 40: 21،22 {..أَلمْ تَفْهَموا مِن أسَاسَاتِ الأَرْضِ؟ الْجَالِسُ عَلَى كُرَةِ الأَرْضِ وَسُكَّانُهَا كَالْجُنْدُبِ }
و حسب ما يدعونه، فإن هذا النص قاطع الدلالة على إلوهية الإنجيل، بصراحتة على كروية الأرض، وهذا ما يفتقره القرآن الكريم على حد زعمهم. والنص الآخر الذي يدعيه النصارى هو الآية 7 من الإصحاح 26 تقول { يمد الشمال على الخلاء ، ويعلق الأرض على لا شي} وهو ما معناه: أن الأرض ليست منبسطة فوق شيء معين بل معلقة كالكرة على الخلاء على لا شيء وانتهت نصوص الكتاب المقدس الصريحة في هذا الشأن.

وهي نفس النصوص التي يستدل بها المخالفين على عدم كروية الأرض في القرآن الكريم، وهي كالتالي:
{ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا } النازعات30، والدحي هو بيضة النعامة، والعلم أثبت بأن الأرض بيضاوية أكثر منها كروية؛ فيصح بهذا الإعجاز الفلكي، ويكون بذلك أبلغ وأكثر صراحةً من الإنجيل.
{خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ } الزمر5.
هذه هي النصوص ( وأخرى غيرها ) التي يستخدمها المسلمين في إثبات صدق القرآن الكريم في الإخبار بكروية الأرض.
حيث يقولون بأن هذه الآيات تخالف حقيقة ما يرمي إليه المسلمون:
- { وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ } الحجر19
- { وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ } ق7
- { وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا } الشمس6
- { وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ } الغاشية20
وربما أكبر دليل على جهل المسلمين بذلك هو فتوى الشيخ ابن باز المشهورة في تكفيره من يقول بكروية الأرض. فهذه كفاية لإلجام أفواه كل من يدَّعي العكس.
وهذا منهجهم دائماً، فهم يحاولون إقناعنا بأن الآية { وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا } تدل على أن القرآن قد وقع في خطأ علمي بوصف الأرض بأنها ممدودة ومسطحة؛ فهنا ( لفهم اللفظ ولدرء الشبهة) يجب أن نفرق بين المنظور الإنساني والمنظور اليقيني.. فالمنظور الإنساني هو ما يتوصل إليه الإنسان ( بحواسه الخمس أو بالعقل) من حقيقة أو واقعة أمامه، مثال : { حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً } الكهف الآية 86(2).. حيث بدا لذي القرنين من منظور العين إن الشمس قد غربت في عين من الطين الأسود حسب مكان وقوفه، فهذا يدل على أن المنظور الإنساني العادي (الشكلي) قابل للخطأ ومصدقٍ له، بينما المنظور اليقيني ( الحقيقي ) هو الحالة الحقيقية الأصلية للموقف سواء أيمكن قياسه (بالحواس أو العقل أو التقنيات الحديثة كالتجربة والقياس) أم لا.

{ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا } هنا يجب أن نتوقف على معنى الدحي، فما هو معنى الدحي في لسان العرب؟
في معجم ( محيط المحيط): الدَّحُّ سَبْه الدَّسِّ . دَحَّ الشيءَ يَدُحُّه دَحّاً وضعه على الأَرض ثم دسه حتى لزق.
ويقال : انْدَحَّتِ الأَرض كَلأً انْدِحاحاً إِذا اتسعت بالكَلإِ ; قال : وانْدَحَّتْ خَواصِرُ الماشية انْدِحاحاً إِذا تَفَتَّقَتْ من أَكل البقل . و دَحَّ الطعامُ بطنَه يَدُحُّه إِذا ملأَه حتى يسترسل إِلى أَسفل. واندَحَّ بطنُه انْدِحاحاً : اتسع . وفي الحديث : كان لأُسامة بطْنٌ مُنْدَحٌّ أَي متسع.
ورجل دَحْدَحٌ و دِحْدِح و دَحْداح و دَحْداحَة و دُحادِحٌ و دُحَيْدِحَة قصير غليظ البطن.
وقال الليث : الدَّحْداحُ والدَّحْداحَة من الرجال والنساء : المستدير المُلَمْلَم ; وأَنشد :
و للدحي معاني أخرى كثيرة، منها ما ذهب إليها المفسرون على أن الدحي هو إخراج خيرات الأرض من ماء وزرع ونبات وما شابه. و أخرى كثيرة لا تمت بالموضوع أية صلة.
2- فعل: الدس والتسوية ( أي ما يشبه الاجتحاف وتسوية السطح )
3- اسم: مبيض النعام، أي حيث تضع بيضها.
4- صفة: الدوران والتكور والبروز ( كالكرش).
كيف؟ إن كلمة ( دحي) تُستخدم لمعنيين: البسط والتكوير في نفس الوقت!!.. وربما اقرب دليل على ذلك هو مبيض النعام، حيث احتوت هذه الكلمة ( الإدحى ) على جميع معاني الكلمة ( دحي ) من: بسط وتسوية ( حيث يتعمد النعام إلى ضرب الأرض بأقدامه وحفره لتسويته و تنظيفه وتنقيته من البروز والحجارة الصغيرة و الشوائب) بالإضافة إلى جعله مقعراً ومكوراً إلى داخل الأرض( حتى يمكن أن تضع بيضها وتجلس عليها براحة دون خوف).









































